تقدير موقف

محاولة انقلابية أخرى في غرب إفريقيا بنين تنجوا من الانزلاق

في السابع من ديسمبر 2025، شهدت جمهورية بنين، محاولة انقلاب محدودة نفذها عدد من عناصر القوات المسلحة، حيث ثمانية عسكريين بلباسهم الرسمي وبنادقهم، معلنين إقالة الرئيس. وأعلن العسكريون الذي عرفوا عن أنفسهم باسم “اللجنة العسكرية لإعادة التأسيس” أن مجموعتهم “اجتمعت يوم الأحد وتداولت وقررت إقالة الرئيس باتريس تالون من مهامه كرئيس للجمهورية”.

خلفية مهمة

تعتبر جمهورية  بنين واحدة من أكثر الديمقراطيات استقرارًا في غرب إفريقيا منذ أوائل التسعينيات، بعد عقود من الانقلابات العسكرية التي أعقبت الاستقلال عن فرنسا عام ١٩٦٠، عادت البلاد إلى الحكم المدني عام ١٩٩١ وحافظت على نظام سياسي نسبي لعقود، ولكن لم تعد استثناء من الظروف والأوضاع التي تعيشها المنطقة من تمدد الجماعات الإسلامية المتطرفة العابرة للحدود مع تداخلات عوامل التنافس الدولي، وتقاطعات المصالح العابرة للقارات بدت في تشكيل المشهد منذ ما يزيد على خمسة أعوام.

تولى السلطة الرئيس الحالي، باتريس تالون، منذ عام ٢٠١٦. وشهدت البلاد في عهده تنمية كبيرة وملحوظة،  وتعهد تالون بالتنحي بعد ولايته الثانية،  مع تحديد موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة في أبريل ٢٠٢٦،   إلا أن إدارته واجهت انتقادات ، ويشير معارضون للرئيس إلى التغييرات الدستورية الأخيرة، وهيكل السلطة المتزايد المركزية، والقيود المفروضة على المعارضة السياسية.

أحداث المحاولة الانقلابية

في الساعة الخامسة من فجر الأحد 7 ديسمبر 2025، سيطر عدد من العسكريين على مقر الهيئة الوطنية للبث (التلفزيون الرسمي)، في العاصمة كوتونو، وأعلنوا عبر بث مباشر حلّ الحكومة وتعليق الدستور، مؤكدين تأسيس ما أسموه اللجنة العسكرية لإعادة التأسيس بقيادة المقدم باسكال تيغري، وهو أعلى رتبة في المجموعة الانقلابية. و بالتزامن، مع ذلك وقعت اشتباكات محدودة  في محيط معسكر غيزو، حيث يُعتقد أن بعض المتمردين حاولوا استهداف مقر إقامة الرئيس، وأفادت تقارير أخرى بأن إطلاق نار سُمع في مناطق متعددة من المدينة، بما في ذلك بالقرب من مقر الرئاسة. أثارت محاولة الانقلاب ردود فعل عاجلة، حيث نبهت السفارات، بما في ذلك سفارات أجنبية، مثل سفارة فرنسا، رعاياها وسط مخاوف من تصاعد العنف. كما أعلنوا إغلاق جميع الحدود والمجال الجوي، على ما يبدو لمنع التدخل الخارجي أو الهروب.

استعادة السيطرة وإفشال الانقلاب

بحلول منتصف النهار استعاد الجيش البنيني السيطرة على مقاليد الأمور في العاصمة كوتونو، ووفقا لبيان الحكومة حشدت وحدات موالية من القوات المسلحة وُصفت بأنها وفية بقسمها بسرعة لمواجهة التمرد، وأعلنت السلطات اعتقال 14 فردًا على الأقل على صلة بمحاولة الانقلاب معظمهم جنود في الخدمة الفعلية، كما استعادت السيطرة على البث التلفزيوني والإذاعي الحكومي.

قال الحسن سيدو وزير الداخلية في بنين، إن مجموعة صغيرة من الجنود حاولوا الانقلاب صباح 7 ديسمبر 2025، لكن القوات المسلّحة وقيادتها تصدّت للتمرد ومنعت تقدّمه. وحسب بيان الحكومة فإن الانقلاب اقتصر على سيطرة مؤقتة على التلفزيون الرسمي وبعض المواقع، ولم يشمل القصر الرئاسي أو مؤسسات الدولة الرئيسية ما سهّل استعادة السيطرة بسرعة.

دعم خارجي يفشل الانقلاب

أشارت مصادر عديدة بأن القوات الجوية النيجيرية إلى جانب قوات المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا “إيكواس” لعبت دورا رئيسيا في إفشال المحاولة الانقلابية في بنين . ووفقا لتقارير صحفية فإن الرئيس النيجيري بولا تينوبو أمر بإرسال طائرات مقاتلة تابعة لسلاح الجو النيجيري إلى أجواء بنين بناءً على طلب رسمي من حكومة بنين، لدعم استعادة السيطرة على المواقع التي احتلها الانقلابيون من ضمنها التلفزيون الرسمي ومعسكر يتبع للجيش. وبعد التدخل الجوي، نُشرت قوات برية نيجيرية داخل بنين لمساعدة القوات المحلية في تأمين المؤسسات الدستورية وحماية الدولة من الانقلاب. و حسب مصادر فإن الغارات الجوية النيجيرية استهدفت مواقع الانقلابيين أثناء محاولتهم الفرار من كوتونو، وتعطيل المركبات المدرعة وقطع ممرات الهروب.

دوافع وأسباب الانقلاب

على الرغم من الاجماع حول أهمية استقرار بنين بالنسبة للمنطقة خاصة الدول الحبيسة مثل النيجر التي تعتبر بنين رئتها التي تتنفس بها، إلا أن البيئة الإقليمية المضطربة تعلب دورا في تحريك الأوضاع الداخلية:

تحدث المتمردون عن عدد من القضايا تبريرا لخطوتهم الانقلابية، فقد تحدثوا عن التدهور الاقتصادي، وتردي الخدمات مثل الرعاية الصحية، وارتفاع الضرائب، كما ذكروا مسألة إهمال الجنود الذين سقطوا في العمليات ضد التنظيمات المسلحة في شمال البلاد مع تصاعد الاستياء من سوء إدارة العمليات العسكرية ضد الجماعات الجهادية في الشمال، وضعف التجهيزات وعدم رعاية أسرهم، وأضافوا أن هناك عمليات تمييز في الترقيات العسكرية داخل الجيش، حيث اشتكوا من تهميش جنود استحقوا الترقيات ولم تتم ترقيتهم فضلا عن ترقية من لا يستحق وغير جدير بها عبر المحسوبيات، كما يشير محللون أن الضغوط السياسية والأمنية المتصلة بسلوك السلطة، حول تغييرات محتملة، واستبعاد معارضين من السياسة، ساهم في شعور بعض العسكريين بأن النظام سيُركّز السلطة ويُهمش عناصر داخل الجيش.

ردود الفعل الإقليمية والدولية

أكدت المحاولة الانقلابية أن حجم الانقسامات داخل الجيش محدودة، وأنه موحد خلف القيادة السياسية، وأن الوضع تحت السيطرة، وعلى مستوى المعارضة فقد وجدتها فرصة استغلت الحدث لتجديد الدعوة إلى إصلاحات سياسية وضمان انتخابات نزيهة، لكنها رفضت الانقلاب كوسيلة للتغيير.

اما على المستوى ردود الفعل الإفريقية فقد عبر الاتحاد الأفريقي عن إدانة قوية للمحاولة، مؤكّدا رفض أي تغيير لحكومة منتخبة بالقوة العسكرية، ودعت إلى احترام الدستور وإعادة النظام، وفي أروقة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا المعروفة بـ”إيكواس فقد أدانت محاول الانقلاب ووصفته بـالخلافة الدستورية غير المقبولة، وأكدت أن التغيير بالقوة يهدد إرادة الشعب، كما أصدرت ECOWAS قراراً بنشر “قوة احتياطية” من دول أعضاء من بينها نيجيريا، غانا، ساحل العاج، سيراليون لدعم الحكومة في بنين وحماية الدستور والوحدة الإقليمية. أما دوليا فقد أدانت الأمم المتحدة عبر مكتبها في منطقة غرب أفريقيا والساحل محاولة الانقلاب، واعتبرتها تهديداً لاستقرار بنين والمنطقة عموماً، مشيداً بسرعة استعادة السيطرة وعودة الوضع إلى طبيعته الديمقراطية.

تداعيات المحاولة الانقلابية

على الرغم من فشل المحاولة الانقلابية، إلا أنها شكلت صدمة كبيرة لدى طيف واسع من المراقبين ذلك لحالة الاستقرار الاستثنائي الذي شهدته البلاد، في العقدين الأخيرين في محيط مضطرب، إلى جانب الاستقرار والنمو الاقتصادي الذي ساهم في ذلك إلا أن المحاولة الأخيرة تفتح أسئلة واحتمالات وتداعيات كثيرة:

  • يشير محللون أن الفترة القادمة ستشهد تغييرات كبيرة وستشهد المرحلة المقبلة توسعًا في صلاحيات الأجهزة الأمنية، ومراقبة أشد للمؤسسات العسكرية والمدنية، مما قد يؤدي إلى مزيد من المركزية في الحكم وهو ما تحذر منه جهات عديدة
  • اتساع الفجوة وتزايد الشكوك داخل الجيش: قد تؤدي الاعتقالات والاستجوابات التي تقوم بها الأجهزة إلى شعور بالاستهداف داخل فئات من الضباط، ما يخلق فجوة بين القيادة السياسية والوسط العسكري.
  • تنامي المعارضة: في ظل غياب قنوات التعبير السياسي، قد تنشأ حركات معارضة غير منظمة، ما يزيد خطر الاضطرابات قبل انتخابات 2026.
  • إقليميا: تتزايد مخاطر تصدّع الاستقرار في غرب أفريقيا، مع تزايد الانقلابات أو محاولات انقلابات في دول مجاورة ما يجعل بنين جزءاً من ظاهرة أوسع هشاشة ويضع بعض الأنظمة أمام ضغوط أمنية واجتماعية.

خاتمة

يبدوا أننا أما سياق نظرية الدومينو السياسية التي بدأت منذ 2020 في المنطقة، وما زالت تسقط أحجار الأنظمة في منطقة غرب إفريقيا، ففشل الانقلاب في بنين لا يعني عدم تكرراه باي حال ما دام تأثير الدومينو له مفاعيله، وما زالت العوامل الدافعة له تتكاثر وبقوة، وهنا تبرز ضرورة إيلاء الانتخابات القادمة قدرا كبيرا من الاهتمام، فقد تكون جسر عبور نحو مزيد من الاستقرار أو السقوط في الفوضى المفضية لانقلاب حتمي كما جرى مؤخرا في غينيا بيساو، فالمسؤولية تتعاظم على عاتق “إيكواس” والاتحاد الإفريقي، لترميم الحالة الإفريقية التي تعاني أزمات وتراجع الحالة السياسية، وتطبيق شعار الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية فعلا لا قولا فحسب.

 

 

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى